السيد محمدحسين الطباطبائي
250
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ » ؟ ! . « 1 » أقول : مقتضى الحديث أن يكون قوله : كُنْتَ عَلَيْها وصفا للقبلة ، والمراد بيت المقدس ، وأنّها كانت قبلة مجعولة قبل الكعبة ، وهو الذي يؤيّده سياق الآيات ، فانّ التصريح بنسخ القبلة وجعلها الكعبة يتكفّلهما الآية اللاحقة : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ « 2 » وهو ظاهر . ومن هنا يتأيّد ما ورد في بعض الأخبار عن العسكري - عليه السلام - : « إنّ هوى أهل مكّة كان في الكعبة ، فأراد اللّه أن يبيّن متّبع محمد - صلى اللّه عليه وآله وسلم - من مخالفه ؛ باتّباع القبلة التي كرهها ومحمّد - صلى اللّه عليه وآله وسلم - يأمر بها ، ولمّا كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس أمرهم بمخالفتها والتوجّه إلى الكعبة ، ليبيّن من يتّبع « 3 » محمّدا - صلى اللّه عليه وآله وسلم - فيما يكرهه فهو مصدقه وموافقه . . . » ، « 4 » الحديث . وبه يتّضح فساد ما قيل : إنّ قوله : الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها مفعول ثان ل : جَعَلْنَا والمراد : وما جعلنا القبلة الكعبة التي كنت عليها قبل بيت المقدس ، واستدلّ عليه بقوله : إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ووجه الفساد ظاهر . وروى العيّاشي عن الزبيري عن أبي عبد اللّه - عليه السلام - ، قال : « قلت له :
--> ( 1 ) . تهذيب الأحكام 2 : 43 ، الحديث : 6 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 144 . ( 3 ) . في المصدر : « يوافق » ( 4 ) . تفسير الإمام العسكري : 495 ؛ الاحتجاج 1 : 42 .